عندك حلم ؟

عندك حلم ؟

لا شك أن لكل منا حلمًا أو ربما أحلامًا لطالما كانت لنا كالملجأ نهرب إليه خلسة من مرارة الواقع أو حتى لتكون هذه الأحلام سببًا لنكون أحياء على  هذه الحياة ، نكافح من أجلها ، نطرقُ أبوابها في أحيانٍ كثيرة عسى أن نلقى جوابًا خلف كل تلك الأبواب أو على الأقل نطمئن أن خلف تلك الأبواب حقًا أحلامّ من الممكن أن تكون بأيدينا يومًا و تستحق أن نبذل العناء من أجلها ،ولا أن تكون مجرد أحلام  كانت وفية لاسمها ،  تمنحنا لذة النوم، لتغادرنا ما أن نستيقظ للواقع الذي نعيشه

منذُ صغرنا ونحن نطرقُ أبواب الأحلام بشغف ، كم كانت تلك الأبواب تبدو لنا متاحة أكثر من أية أبواب أخرى فكم كانت حلقات الرسوم المتحركة ( الكابتن ماجد ) نافذة لنا لنداعب حلم أن نكون لاعبي كرة قدم محترفين يحملُون لواء شعار بلادهم أمام الجميع ، و يبدون أبطالًا قوميين ، كبُر هذا الحلم مع كل حلقةٍ يبث فيها هذا المسلسل ومع كل ( ساعة عصرية ) نمارس فيها الكرة في ملعب الحارة الترابي ؛إلا أن هذ الحلم اصطدم أخيرًا بواقع الحياة الذي يلزمك فقط أن تلعب على المضمون و تنسى أن تكون محترفًا في الكرة لفترة ليست بالقصيرة  لتصحو من حلمك الطفولي هذا، و تلعب على الأهداف السامية التي يراها الكل نافذة  ليكون لك شئ ما في المستقبل  كأن تدرس ، تتفوق في دراستك و أخيرًا تعمل في وظيفة تكسبك مالًا يُمكنك من أن تبني عائلة ، بيتًا لتشيخ فيه متناسيًا كل تلك الأحلام الطفولية  ، فلا بأس حتى و أن نهجت هذا الطريق فأنت لعبت على المضمون أي أنك بخير على هذه الحياة فلديك العائلة و البيت و لديك أيضًا المال الذي يكسبك قوت الحياة حتى و أن شاخت معك كل تلك الأحلام حتى أنها ماتت و لم تلازمك حتى في نومك .

  نعم ، نحن أغلبنا نلعب على المضمون ، نكتفي بما يحقق لنا الحصول على البيت و العائلة و العائد المادي الذي يحفظ ماء وجهنا في هذه الحياة ، لذا أول ما يتوجب علينا أن نفعله هو أن ندرس حتى نصل لمرحلة ما تمنحنا الشهادة التي تلحقنا بسلك العمل و العائد المادي. بطبيعة الحال ؛ العلم أو الدراسة هدف سامي علينا جميعًا أن نضعه نصب أعيننا ؛ فلا أحد يختلف حول ذلك كون الدراسة في المقام الأول الطريق القويم لنصبح ما نحلم به يومًا و لكن هل حقًا الدراسة تبني لنا كل أحلامنا التي نصبوا إليها دائمًا؟، أو سيكون السؤال الأهم : هل  نحن ندرسُ فقط لنكون عائلة لها مسكنها الخاص ، و تجد قوت يومها لنعيش بعد ذلك نفس الروتين الممل متناسين  كل ما يمت بالأحلام صلة.

ماذا لو كانت أكبر أحلامنا حقوقًا ؟ كالبيت و السيارة و العائلة ؛ أيعقل أننا نطارد أحلامًا كانت أقرب دومًا أن تكون حقوقًا لنا. قال الدكتور أحمد خليل خيرالله مرة : "أبسط أحلام المواطن في هذا الوطن هي حقوق ضيعها المقصرون.".

 ينبغي لنا أن نحلم أكثر ، و لا نكتفي فقط بالأشياء التي تبقينا بخير هنا ، أو أن نحلم بأشياء يعتبرها الآخرون- وهم محقون - حقوقًا، فتنخمد فينا الرغبة بعد الحصول عليها فتشيخ مع مرور الأيام و تشيخ هي معنا بلا حول لها و لا قوة.

نحن إن هرعنا وراء أحلامنا و قاتلنا للحصول عليها ، سنغدو مختلفين و سننبذ من مجتمعنا الكثير من حمى التقليد، فكم من شاب التحق بتخصص تماشيًا مع رغبة والديه أو حتى بما يتماشى مع نظرة المجتمع المحيط الذي يقدس تخصصات معينة دون الأخرى ؛ فكم من طالبٍ فشل في تحقيق هدف أو حلم والديه لأنه ببساطة لم تكن له رغبة في مواصلة دراسة تخصص لم يكن يومًا يحبه. و على العكس تمامًا لو أننا أدركنا أهدافنا وما نحب و عليها رسمنا أحلامنا سنغدو مختلفين و لو بدت أحلامنا غير واقعية أو إنها لا تُحقق لنا الوظيفة المستقبلية على حد قولهم.

 نحنُ و بلا شك مختلفون في أحلامنا بل و نختلف حول مفهومنا حول الأحلام وهل هي نفسها الأهداف التي ترسم عند كل مرحلة لتكون أهدافًا قريبة ، أو تكون حتى أهداف بعيدة المدى .

أرى أن الأحلام ليست بذلك القرب أبدًا ، هي في جميع الأحوال بعيدة و غير محددة المعالم و إن كنا نعلم ماهيتها ، كأننا كل يوم نطير إليها إلا أن مسارنا إليها غير واضح ، فقط علينا أن نطير و إن كانت معالم أحلامنا لم تظهر حتى اليوم .

الأحلام قد لا يكون المقصد منها هو تأمين الوظيفة ، البيت أو حتى العائلة و لا بأس بكل هذه الأشياء فهي بالمقام الأول أشياء لا غنى عنها ، ولكن ينبغي لأحلامنا أن تكون بعيدة ، شاملة و غير متناسية كل الأشياء التي أردناها يومًا : كأيام طفولتنا و حلمنا أن نغدو كُتابًا ، أبطال كرة أو حتى نجومًا سينميائيين. ببساطة ينبغي للأحلام أن لا يختلط عليها الأمر فتكون حقوقًا في نظرنا.

 ينبغي للحالمين منا أن يكونوا أقوياء حتى في وجه العادات و التقاليد ، ربما الحلم سيكون قويًا إن بُني على قناعة متجاهلًا كل أشكال التحبيط ، ربما ذلك القوي أن تتصدر عناوين الأخبار يومًا ما بسبقك الصحفي أو بحصولك على براءة اختراع أو تكون الأول في مجالٍ علمي ما أو حتى أن تُصدر كتابك الأول الذي يحمل صوت أفكارك  في وجه العالم.
أرى أن بعض الأحلام ستكون أقوى بكثير إن حُملت على أعتاق أولئك الذين أداروا ظهرهم للجهل و لحمى العادات و التقاليد .

ذاك الحلم القوي ربما أن تبني عائلة قوية بنيتها مع الإنسان الذي اقتنعت أنت فيه أولًا قبل الآخرين ؛ أن ترى في ذلك الشخص تكملة لأفكارك إن لم تكن أفكارك ذاتها. الزواج ربما سيكون يومًا حلمًا و ليس حقًا إن أُتم يومًا بالانسلاخ من العادات و التقاليد ، و بأفضلية القرب الجغرافي أو حتى تشابه العادات و التقاليد؛ ينبغي له أن تتشارك فيه الأفكار والطموحات و قبل كل ذلك قناعة نمت من تعامل بين شخصين.


بعد ذلك سنكون نحن في مجتمع غير متشابه ، حالم ، منسلخ انسلاخًا لا ريب فيه عن ما يكدر صفو كل الأحلام.

تعليقات

المشاركات الشائعة