دوامة أخطاء

أدركت مع الوقت أهمية أن أنظرالى ما أملكه أنا في يداي غير آبه الى ما يمتلكه الأخرون حينها سأشعر بالرضا وبسعادة مؤقتة ربما. زادمن أدراكي لذلك موقفي ذاك يوم مع أبني البكر ونحن نتابع اخبار الرياضة كعادتنا وكيف أن عقود لاعبي الكرة بدت هذه الأيام مرتفعةخاصة مع اللاعبين المحترفين الصغار في السن حينها أطلق ابني نفحة هواء شديدة اللهجة من فمه المملوء بالتمر الذي اجلا سيختلط بالقهوة التي لطالما كانت مضيافة لنا بعد صلاة المغرب، لم افهم حينها سر تلك النفحة ذلك لانشغالي بأخيه الأصغر المرتمي بين احضاني محاولا الوصول لهاتفي النقال ولربما لأنني اعتدت عليه وهو يشكو عدم امتلاكه لجهاز نقال خاص به رغم أن معظم أصدقائه يمتلكونه ، وكذلك للبطاقة الذكية التي كانت تتيح لنا مشاهدة القنوات المشفرة لولا أنني توفقت عن تجديد اشتراكها لمستوى أبني المتوسط . بعدها تفاجأت بورقتين اخذهما ألي أبني دون أن يكشف عن محتواهما متيحا ذلك ألي. فتحت الورقة الأولى بحذر، قرأت ما فيها، وانا أطأطئ رأسي للخلف.
_ الازهر...!
_ لا جديد يا أبي، الرياضيات كتب على ان لا أفلح فيها. رسوبي في الرياضيات لا يمكن ان يغطي تميزي في اللغة العربية وااللغة الإنجليزية. الرياضيات مادة التميز فيها هبة من الخالق ميز فيها البعض عن الغير!
- ولكن هذه المرة لم تأتي بمستوى (مقبول)، أنت راسب!
- (عادي، كل أولاد القرية راسبين الا مصطفى ود المصرية وعشان بس انه ابوه هو اللي يدرسنا)
- يعني هم راسبين انت عادي عندك ترسب، طيب خبرني لو هم رموا بنفسهم في نار انت بترمي نفسك؟ انت ما ضيعك الا هذيلا رفقاء السوء اللي ما تمل تلعب معهم كورة! لا بعد وتريدني اسمحلك انك توقع عقد مع النادي وانت حالتك كذا في الدراسة ، ا
- على الأقل الكورة اللي انت تباني ابتعد عنها كما شفت تجيب الفلوس ما مثل هالدراسة الي ما وراها الا تعاسة

- تعاسة! شوف عمك المهندس كيف عايش وخالتك دكتورة الاسنان ويش وصلهم لهذا غير العلم .
كان رد ابني الازهر الأخير لي وهو يغادر البيت كافيا لأفهم سر نفحته المعاتبة لي ربما لأنني الصقت الدراسة به دون لعبته المفضلة كرة القدم التي اتخذتها عائقا أساسيا لتميزه الدراسي، وربما لأنه يرى ان بإمكانه من خلال الكرة أن يجني المال الذي سيجنيه بعد سنين الدراسة المتعبة حتى انه استاء مرارا لرفضي المتكرر للقائمين على نادي الولاية لانضمام ابني إليهم لموهبته الكبيرة على حد قولهم في لعب الكرة، على غرار إذا ما احترف في أحدى الأندية التي سيجني منها المال من خلال لعبة كهواية يمارسها تمام كالوظيفة. قلت في نفسي: مهلا ..ذاك تفكير سطحي لولد مراهق لا يدرك أن مجرد جلد مدور كهذه الكره لا يمكنه جلب ذاك المال الوفير في بلد تاريخه الكروي ضعيف وأبرز إنجازاته كأس خليجية تكاد كل منتخبات الخليج ان تنالها!! حتى انه بالكاد لا يدرك ان ابيه كان متيم بالكرة، حبيس أروقة النادي ليلا ونهارا حتى جاءت اللحظة التي انصبت فيها في ركبتي! حينها اكتفوا بالألتفاف حولي لينقلوني للمنزل لأتلقى توبيخ ابي رحمة الله عليه الذي كان لايعترف بلعبة لا تجلب له الا (صدعة راس).
بعد حين فتحت الورقة الثانية باهمال ظنا مني انها مجرد رسالة تنذرني بمستوى ابني الدراسي المتدني الا انني تفاجأت بانها ورقة يجب ان تختم بتوقيعي ليكون معبرا لدراسة ابني للمواد الأدبية حينها رفضت التوقيع مناديا الأزهر.
-هاه... ان كنت ستسالني عن المستوى (ج) في مادة التربية الإسلامية فاطمأن ذلك بسبب تخلفي عن امتحان منتصف الفصل نتيجة لمكوثي يومين في البيت نتيجة لكسر في معصمي.
-دع أمرها جانبا .. :أأفهم منك انك تطلب موافقتي لتدرس المواد لأدبية؟
-نعم. من فضلك.
_ماذا عن المواد العلمية، كيف ستصبح دكتورا كما أردتك أو حتى مهندسا كابن عمك فيصل، التخصصات الأدبية ليس لها مستقبل كما أخبرتك مرارا وتكرارا، إنسي الامر، إنسي!
- يجب أن تفهم يا أبي أنا مختلف عنهم!
بعدها غادر الازهر حتى دون ان يرد على بكلمة.

ما كان يشغل بالي حقا في تلك الفترة انني كنت أرى في ابني نسخة مطابقة لي في صغري وهذا ما جعلني عند رأيي بأن يجب على الازهر أن يدرس لا ان يهتم بالكرة لدرجة أنه يتأمل منها أن تكون وظيفة له اذ ان كيف لاب ان يسمح لولده بالخوض في دوامة أخطاء كان هو بنفسه واقعا فيها. مما زاد من حدة الموقف رفضي لدراسة ابني للمواد الأدبية بحجة ان التخصصات الأدبية ليس لهاسوق عمل مكتظ مستقبلا على حد كلام صديقي أبو سعود، مما جعل احمد يرفض ذلك اطلاقا وخاصة انه بارع في الكتابة الأدبية وفي اللغة الإنجليزية.
جعلني ذلك متسمر في مجلسي لفترة طويلة أفكر فيما أصنع. أمرر لذهني أحداثا أرى فيها ابني مكاني كيف أنني كنت العب الكرة عصرا يوميا بدون اهمال على عكس ما كنت افعل مع مادتي الفيزياء والرياضيات التان لطالما كرهتهما بالرغم من انني كنت متفوق فيهما، كيف ان معلمي في المدرسة اخفى عني معني الرغبة، الحلم وعن أهمية ان تدرس ما أحببته يوما بحجة أن ما يمليه عليك قلبك ليس في كل الأحوال صحيحا ، بل أن العقل على حد تعبيره هو الراجح والمسيطر لأنه قوي أمام القلب الضعيف الذي لطالما يفتن بالجمال فقط وتتحكم به العواطف .

كنت حينها شاباً خبأت عنه تقاليد القرية وفكرها المتحجر معنى الطموح ، و أن تكون فتى ناجحا ، فهناك النجاح فقط في أن تكون مطيعاً لأبويك ، محافظا على صلواتك ، و إن لا تكل ولا تمل من عمل المزرعة ، والأهم أن تواصل الدراسة نحو الوظيفة .

كنت في القرية قدوة للأطفال فقط لأنني من القلة التي أنضممت للجامعة ، كنت حينها سعيداً لأنني صرت جامعياً، ولأن أبواي كانا سعيدان .

كنت لا أعلم إن نصيحة معلمي المترددة كثيرا على مسامعي بأنه ينبغي علي ترك التخصص الأدبي رغم حبي له لأنه بلا مستقبل على حد قوله ، متجاهلا تبريري ضعيف اللهجة بأن تميزي في المواد العلمية فقط لأنني أحفظ ، دون أن أفهم ، وكذلك كيف أنني تجاهلت المواد الأدبية لأن زميلي عمر كان متشوقاً لخوض التخصص العلمي الذي لطالما أتخذ فيه مادتا الرياضيات والكيمياء كتباً يمارس فيها هواياته لأنه كان ذكيا ، يفهم لا يحفظ .

٣ سنوات ، وأنا بين زحام الطلاب الغارقين في وحل القاع ، بعدها انسحبت من الجامعة أجباريا
لأنني حينها لم أقوى على مواد الرياضيات والكيمياء المتطلسمة بالحروف الأنجليزية .

إلى هنا ، أرتشفت فنجان قهوة ، وقلت في نفسي
( كفى ، إنه يحب الكرة ، ويميل للمواد الأدبية ، حكم هنا عقلك ، لا قلبك ، فكيف لفتى أن يدرس ما لا يحب ؟
حكم هنا قلبك ، كيف لأبٍ أن يسمح لنفسه برؤية أخطائه على أبنه ، أيلدغ المؤمن من جحره مرتين ؟)
أدركت أنني لم أنعم بالسعادة إن تظرت لما يمتلكه الغير ، فولدي محب للأدب ، وذاك مغرم بالعلوم
ولدي لدي ، لماذا آبه للغير ؟
سأدعم ولدي بما يملك هو ، لا بم يملكه الآخرون ، فصديقي عمر نجح ، وأنا فشلت لأنني نظرت إلى ما بيديه ، لا ما بيدي ، فتهت .
بعدها ، نظرت للورقة للحظات ، وبسهولة أنزلت توقيعي لتلك الورقة !


تمت .



( دوامة أخطاء ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة