بو كبر دبر ، 😁💔
" قُم يا قاسم ، الساعة الحادية عشرة صباحًا ، ادخل الحمام ، لتتوضأ ولتصلي الفجر الفائتة ، بالله ، ما الذي غيرك ؟ "
كالعادة ، أسمع هذه المقولة تخرج بحرقة عند كل صباح من لسان أمي المسكينة ، وهي ترددها كل صباح ، دون كللٍ وملل و كأن ترديدها لهذا هي شغلها الشاغل أو إن ذلك أصبح روتينها المعتاد .
مسكينة أمي، لأنها الشخص الوحيد التي ترى فيّ شخصًا يستحق الحياة بعدما فقدتها حقًا ، أو أنني على الأقل لا أجد سببًا لعيش حياة ضاقت بذراعيها عليّ من كل جهة .
أمي عظيمة و أراها مسكينة في آن ٍواحد ، هي عظيمة لأنها لا تكف إيمانًا بي رغم أنني ممتلئ بالسواد ، ومسكينة لأنها لا تعلم أن ولدها البكر هذا محطم كليًا ، و إن مشكلته تتعدى حقًا كونه عاطلًا عن العمل ، ولا يقوى الآن حتى على مواجهة الحياة نفسها.
أذكر كم كانت أمي
(اللي كبر دبر) ، عبارة لطالما استمتعت إليها من جدتي أم صالح ، وهي تصف حال ابنائها الخمسة ، مسكينة هي الأخرى جدتي أم صالح ، كانت على حد قولها ستذبح بقرتها الوحيدة لو أن أحد ابنائها الخمسة نجح في نيل الشهادة العامة . ولكن ربما لحسن حظها لم ينجح أحد ، على الأقل هي ستحافظ على بقرتها المدرة للبن ، لها و لأهل القرية .
كنت أقول في نفسي حينها : راح أكبر ، وراح أظل أفضل ، ولكن
كنت صغيرًا ، أستمتع بشدة يوم أنهض باكرًا على أذان الفجر ، ألبس دشداشتي بلهفة ، لأنتظر أمي من فراغها من تجهيز الماء المعتدل في حرارته لأتوضأ ولأنتظر جارنا أبو سالم لأذهب معه للمسجد ، كان لا يمل وهو يكيل المديح لأمي لامتلاكها فتًى مثلي ، لا أخفي عليك كنت أستمتع بذلك ، فالمديح يبقيني أفضل فتيان القرية ربما .
أمي تنتظر مني أن يكبر ، لأغدو رجلًا ، لتهتم هي بأخواني الأربعة .
و لأكون لهم قدوة عندما أكبر، اممم مسكينة ، مسكينة ؟
مرت أيام المدرسة الرائعة ، وكأنها كانت مرحلة ختام تألق طفل قروي رضا والدته غايته قبل شئ ، كان لا يدخر جهدًا في أن يحصل علامة ممتاز في الشهادة العامة ، ليكون من ضمن الصفوة ، ليأخذ الجائزة إلى أمه ، التي كانت يومها لا تجيد قراءة الألف والباء وصولًا للهاء واكنها كانت تجيد قراءة هدية تُجلب لقاسم عند نهاية كل فصل دراسي .
ياااه ، كم كانت أمي مرةً فرحة ، أخذتني كالعادة و الهدية التي كانت كراسة رسم ومقلمة ، للجارة أم محمد ، لتفتخر بي هناك ،ولكي أتقاسم أنا الهدية مع بنت الطفولة ( زينب ) ، لإنها ذاك الفصل لم تكرم لحصولها على تقدير جيد في مادة اللغة الإنجليزية ، زينب تلك لم تتقبل كراسة الرسم ، رفضتها أو أنها أعطتها أخيها الصغير سامح .
كبر الطفل القدوة وكبرت معه أحلامه بسرعة ، جلب أحلامه معه للمدينة الكبيرة ، كان على حد علمه و لبساطة تفكيره ، أنه سيذهب للجامعة ليجلب شهادة ، وليحصل فيما بعدها على وظيفة ، فقط ليفرح أمه ،
ولكن ، كبر الفتى ، فدبر ومال ، نسى أحلام الطفولة ، نسى أخلاق القرية ، نسى حلم أم ترى في ابنها كل شئ.
يا ليتني لم أكبر ، لأبدو في مثل كل هذا السخف ، يا ليتني لم أكبر ليتألم قلبي هكذا وليبدوا عقلي مغفلًا أمامه ، لا زلت أذكر كيف كنت في الجامعة بخير لأنني كنت على مبادئ القرية ، قبل أن يتغير كل شئ ، قبل أن يقرر أصدقاء السوء تغييري للأفضل على حد قولهم ، حينها نسيت لم أنا هنا في الجامعة : خضت غمار التجربة في كل شئ
: مطاردات جريئة لتائهات مال عودهن كثيرًا ، سهر حتى الفجر ، غياب عن المحاضرات ، تيه مستمر.
يا ليتني لم أكبر ، لأظل في مدرسة القرية ، أكتسي ثوب البساطة و الأخلاق و إن بدا قليلا مهمشًا ، عوضًا عن أرتدائي لثوب الحداثة ، الحداثة التي قادتني للضياع، ضياع أخرجني من الجامعة ، فكانت حسنته الوحيدة إنه أرجعني لأمي والقرية بلا شئ ، بلا شهادة ، وحتى بلا أخلاق ، مجرد فتىً لعبت فيه المدينة ، فأنسته أخلاق القرية ، صلخته من جلدٍ لطالما تميز به ، ولو بدا قديمًا .
يا ليتني لم أكبر ،، يا أمي ،
فدخان سجائري هذا ، أفقدني كل مالي من مهنة ( التاكسي) ، رأسي للأسف لا يهدى له بال إلا بدخان سجائري هذا ، و لأكون صادقًا معك يا أمي ، يا ليتني لم أكبر ، لأنني الآن أسرق من مالك المخبئ في تلك ال( سحارة ) القديمة ، لأشتري ( بكت سيجارة ).
آسف يا أمي ، كبرت وعوضًا على أن أعطيك من مالي ، ها أنا أسلبك مالك أنتي .
سأعوضك عن ذلك ، الشهر القادم ، أو ما بعده ، أو ربما لن أفعل .
كبرت ، و لم أعتقد أنني س( أدبر ) ، عسى أن أعود ، قبل الرحيل ، عسى أن أمنحنكِ دمعة فرح واحدة من بين كل تلك دمعات الحزن الكئيبة .
تمت / محمد
كالعادة ، أسمع هذه المقولة تخرج بحرقة عند كل صباح من لسان أمي المسكينة ، وهي ترددها كل صباح ، دون كللٍ وملل و كأن ترديدها لهذا هي شغلها الشاغل أو إن ذلك أصبح روتينها المعتاد .
مسكينة أمي، لأنها الشخص الوحيد التي ترى فيّ شخصًا يستحق الحياة بعدما فقدتها حقًا ، أو أنني على الأقل لا أجد سببًا لعيش حياة ضاقت بذراعيها عليّ من كل جهة .
أمي عظيمة و أراها مسكينة في آن ٍواحد ، هي عظيمة لأنها لا تكف إيمانًا بي رغم أنني ممتلئ بالسواد ، ومسكينة لأنها لا تعلم أن ولدها البكر هذا محطم كليًا ، و إن مشكلته تتعدى حقًا كونه عاطلًا عن العمل ، ولا يقوى الآن حتى على مواجهة الحياة نفسها.
أذكر كم كانت أمي
(اللي كبر دبر) ، عبارة لطالما استمتعت إليها من جدتي أم صالح ، وهي تصف حال ابنائها الخمسة ، مسكينة هي الأخرى جدتي أم صالح ، كانت على حد قولها ستذبح بقرتها الوحيدة لو أن أحد ابنائها الخمسة نجح في نيل الشهادة العامة . ولكن ربما لحسن حظها لم ينجح أحد ، على الأقل هي ستحافظ على بقرتها المدرة للبن ، لها و لأهل القرية .
كنت أقول في نفسي حينها : راح أكبر ، وراح أظل أفضل ، ولكن
كنت صغيرًا ، أستمتع بشدة يوم أنهض باكرًا على أذان الفجر ، ألبس دشداشتي بلهفة ، لأنتظر أمي من فراغها من تجهيز الماء المعتدل في حرارته لأتوضأ ولأنتظر جارنا أبو سالم لأذهب معه للمسجد ، كان لا يمل وهو يكيل المديح لأمي لامتلاكها فتًى مثلي ، لا أخفي عليك كنت أستمتع بذلك ، فالمديح يبقيني أفضل فتيان القرية ربما .
أمي تنتظر مني أن يكبر ، لأغدو رجلًا ، لتهتم هي بأخواني الأربعة .
و لأكون لهم قدوة عندما أكبر، اممم مسكينة ، مسكينة ؟
مرت أيام المدرسة الرائعة ، وكأنها كانت مرحلة ختام تألق طفل قروي رضا والدته غايته قبل شئ ، كان لا يدخر جهدًا في أن يحصل علامة ممتاز في الشهادة العامة ، ليكون من ضمن الصفوة ، ليأخذ الجائزة إلى أمه ، التي كانت يومها لا تجيد قراءة الألف والباء وصولًا للهاء واكنها كانت تجيد قراءة هدية تُجلب لقاسم عند نهاية كل فصل دراسي .
ياااه ، كم كانت أمي مرةً فرحة ، أخذتني كالعادة و الهدية التي كانت كراسة رسم ومقلمة ، للجارة أم محمد ، لتفتخر بي هناك ،ولكي أتقاسم أنا الهدية مع بنت الطفولة ( زينب ) ، لإنها ذاك الفصل لم تكرم لحصولها على تقدير جيد في مادة اللغة الإنجليزية ، زينب تلك لم تتقبل كراسة الرسم ، رفضتها أو أنها أعطتها أخيها الصغير سامح .
كبر الطفل القدوة وكبرت معه أحلامه بسرعة ، جلب أحلامه معه للمدينة الكبيرة ، كان على حد علمه و لبساطة تفكيره ، أنه سيذهب للجامعة ليجلب شهادة ، وليحصل فيما بعدها على وظيفة ، فقط ليفرح أمه ،
ولكن ، كبر الفتى ، فدبر ومال ، نسى أحلام الطفولة ، نسى أخلاق القرية ، نسى حلم أم ترى في ابنها كل شئ.
يا ليتني لم أكبر ، لأبدو في مثل كل هذا السخف ، يا ليتني لم أكبر ليتألم قلبي هكذا وليبدوا عقلي مغفلًا أمامه ، لا زلت أذكر كيف كنت في الجامعة بخير لأنني كنت على مبادئ القرية ، قبل أن يتغير كل شئ ، قبل أن يقرر أصدقاء السوء تغييري للأفضل على حد قولهم ، حينها نسيت لم أنا هنا في الجامعة : خضت غمار التجربة في كل شئ
: مطاردات جريئة لتائهات مال عودهن كثيرًا ، سهر حتى الفجر ، غياب عن المحاضرات ، تيه مستمر.
يا ليتني لم أكبر ، لأظل في مدرسة القرية ، أكتسي ثوب البساطة و الأخلاق و إن بدا قليلا مهمشًا ، عوضًا عن أرتدائي لثوب الحداثة ، الحداثة التي قادتني للضياع، ضياع أخرجني من الجامعة ، فكانت حسنته الوحيدة إنه أرجعني لأمي والقرية بلا شئ ، بلا شهادة ، وحتى بلا أخلاق ، مجرد فتىً لعبت فيه المدينة ، فأنسته أخلاق القرية ، صلخته من جلدٍ لطالما تميز به ، ولو بدا قديمًا .
يا ليتني لم أكبر ،، يا أمي ،
فدخان سجائري هذا ، أفقدني كل مالي من مهنة ( التاكسي) ، رأسي للأسف لا يهدى له بال إلا بدخان سجائري هذا ، و لأكون صادقًا معك يا أمي ، يا ليتني لم أكبر ، لأنني الآن أسرق من مالك المخبئ في تلك ال( سحارة ) القديمة ، لأشتري ( بكت سيجارة ).
آسف يا أمي ، كبرت وعوضًا على أن أعطيك من مالي ، ها أنا أسلبك مالك أنتي .
سأعوضك عن ذلك ، الشهر القادم ، أو ما بعده ، أو ربما لن أفعل .
كبرت ، و لم أعتقد أنني س( أدبر ) ، عسى أن أعود ، قبل الرحيل ، عسى أن أمنحنكِ دمعة فرح واحدة من بين كل تلك دمعات الحزن الكئيبة .
تمت / محمد
تعليقات