أرقُ المستقبل.

  كنت في منتصف الطريق ، عالقٌ فلا أقوى على المضي قدمًا، كانت كل الأتجاهات المتاحة بالنسبة لي هي المستقبل ، فأتجه يمينًا ليبهرني شروق شمس يوم ، و إن أتجهت غربًا فوجئت بالغروب يأخذ يومًا كان كسابقه قديمٌ في كل شئ إلا أنه أضاف رقمًا جديدًا إلى عُمري ، فلم يكن شروق الشمس ولا غروبها باعث خير لي لكي أتغير إلا أن أكبر و أن أبقى في نقطة المنتصف نفسها !
شروق الشمس هذا كان ملازمًا لي عندما كنت صغيرًا ، كنتُ الأول على مائدة الإفطار ، وقتها أفكر في كيفية حل واجب الرياضيات ، أو أنني سأستمر في النهوض مبكرًا لحفظ كلمات اللغة الإنجليزية  كما قالت خالتي زينب أن الوقت الباكر من الصباح هو الأنسب لفعل ذلك .
أما غروب الشمس و إن لم أحببه عندما كنتُ طفلًا لأنه الوقت الفاصل بين لعبي للكرة ورجوعي للبيت إلا أنه كان موعدًا جديدًا لأحل واجباتي المدرسية وبعدها أشاهد مباريات فريقي المفضل ، فقد كانا كلاهما - الشروق والغروب - جميلان و وغير آبه بهما  عندما كنت طفلًا ، لسبب وحيد وهو أن هدفي كان فقط كيف أحافظ على مركزي بين أوائل صفي ، و كيف أستمر في كسب رضى أمي ، اممم يومها كان الغروب شفقًا برتغاليا يعكس منظرًا جميلا ولا يعكس نهاية يومٍ يضاف إلى عمري .
الآن و بعد أن كبرت ، صار عمري ٢٣ عامًا مشهد الغروب هذا يتكرر ، يستفزني كل يوم ، يُخبرني أنه كان شاهدًا على انتهاء يومٍ جديد ، يومٍ جديد كسابقه ، خالطه الكسل ، و الإحباط  و المعاناة من أرق المستقبل ،  و حتى أن شروق الشمس لأيام ليست بقليلة لم أعد أشاهده ولا حتى أترقبه بالرغم من أنني ألحظه لأيام قليلة عندما أضطر لحضور محاضراتي الجامعية .
و للآن أنا شاب في ريعان العمر ، إلا أنني محطم داخليًا ، و لا زلت في نقطة المنتصف تلك التي حسنتها الوحيدة أن تطلعني على مشهدي الغروب والشروق من المكان نفسه !
 الخوضُ في أمور المستقبل بتفكير شديد و غير مدروس يأخذك بعيدًا عن نقطة المنتصف ، لكنك في لحظة ما ستجد نفسك تحلم ! أنت لم تغادر النقطة ، في الحلم أنت تعانق الأنجازات وتجد نفسك الأنسان الذي تحبه ، بعد ذلك شريط الحلم هذا ينقطع ، بأرق المستقبل ، و الخوف من الفشل ، و انعدام الثقة .
 من الممكن أن أُشبه التفكير في المستقبل و الحاضر كالمتاهة  ، لأنه لم يحركني من نفطة المنتصف يومًا ، أرهقني التفكير في المستقبل : عن كل تلك الأشياء التي أحلم بها و لن أحصل عليها ، و حول شهادتي الجامعية  ، هل سأنجح في الحصول على الوظيفة التي تمنيتها يومًا ؟ ،  و كأن حول عنقي وشاح أسود منزوع الأمل  لا أقوى على إزالته ، و لسبب ما لا أعلم لماذا أرتديت هذا الوشاح صيفًا،
كل ما وقفت على قدمي محاولًا المضي متجاوزًا نقطة المنتصف ، ضاقّ حول عنقي ،لأبدأ دوامة تفكير أخرى ، ماذا لو فشلت ؟ كيف سأبدو في عيون من وثقوا بي ؟
يا ليتني لم أكبر ؟
أو على الأقل كان لي أخًا بكرًا .

و لأن المستقبل و التفكير بك ، يضعك أحيانًا في فقاعة المثالية -لا سيما أن كنت تعتبر قدوة لآخرين - فأنه يُرغمك على أن تكون داخل تلك الفقاعة لأسباب لا تحبها ، كأن تكون لأخوتك الصغار شعلة من المثالية لا تنطفئ تنير عقولهم بها ليلًا ، و كالغيمة  يستظلون بك نهارًا ، كل شئ هنا جيد إلا أن هاجس الخطأ يؤرقك دائمًا ، أن تختفي فقاعة المثالية لخطأ ارتكبته ، فلا تملك مجالًا لتفسير خطأك ، ليصبح خطأك هذا عذرًا لمن أنت لهم قدوة على ارتكاب الأخطاء.

  مضت الأيام و أنا في نفس النقطة ، مللت الجلوس وحولي وشاحي الأسود الذي يضيق علي كلما قررت المضي إلى الأمام ، فكرت لمرة أن علي أن أنظر إلى ما وراء النقطة ،لأتجاهل التفكير بالمستقبل ولو لفترة ، الحلُ أن تتناسى ما يؤرقك ما مسؤوليات ، و أن تعش يومك فقط ، و يكون هاجسك لليوم هذا ، أن تُصبح أفضل فيه عن سابقه .

....
لقطة الختام /
عندما نتكلم عن المستقبل ، فأننا نشترك في أن كلنا نملك كلمة ( المستقبل ) ، ولكننا نختلف في كيفية تفكيرنا به ، كيف سنصل إليه ، و كيف هو الطريق إليه .
 نقطة التفكير هذه ، هي نقطة الفصل لنجاحنا ولفشلنا في الحياة .

تعليقات

المشاركات الشائعة