اليابان
لا يمكنني أن أنسى عطلتي السنوية قبل عامين من الآن؛ فبعدما قررت جديًا أن عطلتي السنوية هذه المرة يجب أن تكون غير مألوفة و تستحق أن تعيد لي حب الحياة ،و أن تلبي رغبتي الشديدة في الخروج من العمل الروتيني ، و أن أعيد ترتيب شتات نفسي و عقلي بالسفر بعيدًا لوجهة لم أفكر فيها يومًا بأن تكون وجهتي القادمة للسفر قبل هذا اليوم.
في السفر تجارب كثيرة ، وعند كل مرة تسافر فيها تبدأ باكتشاف شيء عن نفسك و الأكثر من ذلك تستمر في استكشاف العالم ، والثقافات المختلفة التي ربما تقرأ عنها في كتاب ما ؛ و سرعان ما تتمنى أن تعيشها على أرض الواقع ؛ لذلك لا زلت أرى أن السفر هي بوصلة الإنسان لما يحب أن يعيش من ثقافات و هل هناك أجمل من الثقافة اليابانية لتسافر و تتعلم الشيء القليل منها من أشياء كثيرة لا تعلمها و تحفزك للسفر مرارًا لتتعرف عليها.
كل هذا و أكثر كان سببًا مقنعًا لي لخوض غمار هذه التجربة و لاسيما بعد أن شاهدت بعضًا من حلقات برنامج خواطر الذي كان يبث على شاشة الـ MBC.
وكعادتي قبل أي رحلة سفر أعددت خطة السفر ، لم أدخر وقتًا في القراءة عن أهم الوجهات اليابانية التي يمكنها أن تشفي غليلي و أن تسد ذائقتي التاريخية والثقافية عن هذا البلد الشرق آسيوي؛ فكانت كيوتو أولى الوجهات من بعدها كانت أوساكا ووأخيرًا هيروشيما. ثلاثة مدن كانت كفيلة حقًا أن تغير تفكيري من حقيقة السفر إلى الشرق الآسيوي و خوض تجربة جديدة في مدن أخرى مثل العاصمة طوكيو و جزيرة هوكايدو.
مدينة كيوتو(Kyoto) :
من أكثر الأشياء التي شدتني في البحث عن مدينة كيوتو و أنا أعد خطتي للسفر ؛ هي إنها كانت العاصمة القديمة لليابان لنحو ما يقارب الألف عام قبل أن تكون طوكيو التي نعرفها الآن هي العاصمة الرسمية لليابان، كذلك قرأت الكثير عن الريف الساحر التي تتميز به و لا سيما أنني من أكثر المعجبين بالريف في مسقط ميلادي قبل أن استقر بمدينة مسقط نظرًالظروف العمل . نزلت في مطار كانساي الدولي بأوساكا التي كانت وجهتي الأولى، ومباشرة ركبت القطار السريع المتجه لكيوتو في رحلة استغرقت ما يقارب الساعة ونصف.
نزلت ُ في فندق تقليدي يحمل اسم ريوكان "Ryokan" و هو فندق تقليدي، و أثري ويعد ثاني أقدم فندق في العالم.تصميم الفندق التقليدي المستمد من العمارة اليابانية القديمة ، و الينابيع الساخنة الطبيعية في الفندق كانا السببين الأساسيين لحسم أمر اختيار أول فندق استقر فيه. خطوتي التالية كانت بلا شك زيارة المعابد والأضرحة التي تشتهر بها المدينة مثل معبد كيوميسو ديرا(Kyomisu-dera) ، وقد كان الجمع غفيرًا و لكن ذلك لم يمنعني من لقاء رجل أصبح فيما بعد رفيق هذه الرحلة. محمود شاب أردني يقوم دراساته العليا في إدارة الأعمال هنا في اليابان، وجود محمود أضفى الكثير من الإيجابيات في هذه الرحلة فعلاوةً على إجادته للغة اليابانية بطلاقة ؛ كان محمود المرشد السياحي الذي لطالما حلمتُ به يومًا. كان معبد كيوميزو-ديرا مكتظا بالسائحين والزوار كونه يقع على مرتفع جبلي كان بإمكاننا من خلاله من الحصول على رؤية علوية للمدينة و بجانب المعبد يوجد سوق كبير و شعبي يعرض الكثير من السلع المصنوعة بكل شغف و حب من قبل الناس المحليين.بإمكاننا القول أن تجربة زيارة المعبد عند أول الصباح ومن ثم الذهاب الى السوق الشعبي كانت في وقتها المناسب بسبب توافد السياح و الزوار عند وقت المساء و كذلك لا يمكن أن ننسى تجربة شرب مناجات الشاي الأخضر الذي و بالرغم من كونه كان مرًا عكس ما تعودت على طعم الشاي في موطني إلا أنه أضاف لرصيده من التجارب و ملامسة عادات الشعوب الشيء الكثير، ومن بعد زيارة المعبد قررنا أن نعود إلى الفندق لأخذ قسطً من الراحة واستئناف الرحلة في اليوم التالي .
في صبيحة اليوم التالي ومن بعدما تناولت إفطاري الشهي في الفندق حيث أن الأرز كان الطبق الرئيسي في هذا الطبق بجانب حساء " الميسو "(Meso)، و الخبز و الحبوب. كان محمود في انتظاري حيث توجهنا غرب مدينة كيوتو و بالتحديد إلى حقول الخيزران القريبة من وجهتنا السابقة و الواقعة في حي أراشي يما. تنزهنا وسط أعواد الخيزران الطويلة و كان شعورًا لا يوصف ونحن نتنزه في بستان أعواد الخيزران وأِشعة الشمس تدغدغ أجسامنا وسط غابة من السيقان النحيلة و الطويلة.
وحتى نحدد وجهتنا المقبلة ارتئينا للجلوس قليلًا و مناقشة سير الخطة وتحديد الأماكن القريبة من مكاننا وسط أعواد الخيزران؛ فقررنا هذه المرة خوض تجربة زيارة القصور و القلاع فكان قلعة "نيجو"(Nego) في أعلى القائمة. تعد هذه القلعة من أكثر القلاع شهرة في اليابان نظرًا لأهميتها التاريخية حيث إنها تجسد العنفوان و قوة القادة العسكريين الذين سيطروا على الإمبراطورية اليابانية أبان فترة حكمهم خلال حقبة الإيدو (1603-1867)، كذلك تعد القلعة واحدة من القلاع التاريخية المسجلة في موقع التراث العالمي لمنظمة" اليونسكو".كذلك قمنا بزيارة قصر الإمبراطور الياباني و قد استمتعنا حقيقة بالمنظر الرهيب لكرسي العرش الموجود فيه و الملفت للنظر في هذا القصر هو أنه يعد القصر الرسمي لليابان بالرغم من أن الإمبراطور الحالي لليابان يعيش في العاصمة طوكيو و تقام فيه مراسم تعيين الإمبراطور الجديد لليابان أمبراطور الجديد لليابان.
كذلك قمنا بزيارة متنزه يدعى" بسانجوسانجين دو"(Sanjusangen-do) وهو مزار سياحي يضم قرابة الألف تمثال كل تمثال منها يختلف عن الأخر و يتوسطها تمثال كبير في المنتصف ما لفتني حقًا في هذا المتنزه أن أعين التماثيل كانت تبدو حقيقية ولكن محمود سرعان ما أزال استغرابي بعدما خاض نقاشًا مع المرشد السياحي الموجود هناك حول ذلك بعدها أوضح محمود لي إن عيون التماثيل مصنوعة من مادة الكريستال.
استمتعت حقًا بزيارة مدينة كيوتو ، وقد كنت فيها لثلاثة أيام ولكن كنت أتمنى أن تزيد هذه المدة خمسة أيام على الأقل ولكن -وعلى كل حال – هناك مدينتان أخريان يجب أن تزورها في بقية الرحلة.
مدينة أوساك(Osaka):
تعتبر مدينة أوساكا من أشهر الوجهات السياحية في اليابان ، وتطل على خليج أوساكا و في الجزء الجنوبي لجزيرة هونشو أكبر الجزر اليابانية، كما أنها تعتبر ثاني أكثر المدن اكتضاضًا بالسكان. يلقبها البعض ببندقية اليابان وهذا أول لقب أقرأه عند اطلاعي عن هذه المدينة الساحرة. ما شدني أكثر في هذه المدينة أكثر أنها تحمل ذكرى جميلة معي لأنها أحدى المدن المستضيفة لكأس العالم عام 2002 عندما استضافت اليابان الحدث الكروي العالمي الأبرز بالمناصفة مع كوريا الجنوبية وقد أسهمت هذه الظاهرة الكروية في إنعاش اسم مدينة أوساكا بين أوساط الناس عالميًا.
كما أن أوساكا هي واحدة من أكبر المدن في اليابان. و يمكن اعتبارها العاصمة الشرقية لليابان. في رحلة قصيرة ، وجدت المدينة متنوعة للغاية في المأكولات ، حيث يمكنك بسهولة الحصول على الأطباق اليابانية التقليدية ، كما أنني لم أجد أية صعوبات في الوصول لمتاجر السلع التي كانت متنوعة جدًا ورخيصة.
قبل أن أقوم بأي شيء ؛ كان علي اختيار مكان السكن المناسب في أوساكا ؛ لذا نصحني صديقي محمود بالسكن قريبًا من محطة القطار الرئيسية في المدينة ؛ لسهولة التنقل من خلال هذه المحطة.
أقمت في نزل بسيط اسمه (premiasa) في Omeda القريبة من المدينة كانت الليلة الواحدة في هذا النزل تصل إلى ما يقارب 42 دزلارًأمريكيًا للشخص الواحد و قد تشاركت الغرفة مع Michel وهو سائح استرالي التقيت به بالقرب من النزل. المثير للإعجاب هنا أنه لا يوجد استقبال في النزل أي أن الفندق يعمل بنظام الخدمة الذاتية. كما أن الغرفة كبيرة جدًا و مريحة أيضًا.
كانت قلعة أوساكا (Osaka Castle) أولى وجهاتنا في هذه المدينة ، لم تختلف القلعة عن مثيلاتها من قلاع في مدينة كيوتو إلا أنها بدت كبيرة جدًا بالنسبة لي.كما يوجد بالقلعة متحف يحوي الكثير من الأثار التاريخية وكذلك قمنا بزيارة متنزه يوجد بداخل القلعة. كذلك قمنا بزيارة متحف أوساكا للعلوم أولًا و من ثم توجهنا متحف أوساكا للتاريخ الذي يحتوي على تاريخ مصر الحضارة اليابانية العريقة.
كذلك لأنني من محبين الحياة البحرية قمت بزيارة (Osaka Aquarium) الذي يوجد بداخله العديد من الكائنات البحرية المختلفة في مقدمتها الدلافين ، و الحيتان وأسماك القرش.
كانت هذه المدينة صغيرة جدًا و اكتفينا فقط بيومان للتجول فيها و أعتقد أنهما كانا كافيين لمعايشة هذه المدينة عن قرب.
مدينة هيروشيما(Herushima) :
كانت هذه المدينة صغيرة جدًا بنظري حيث أننا أخذنا يومًا واحدًا فقط للتجول والتعرف على معالمها.. كانت وجهتنا الأبرز هنا هي حديقة النصب التذكاري للسلام، كذلك قمت بزيارة قلعة هيروشيما (Herushima Castle) والتي أثار أعجابي فيها الحديقة الموجودة بداخلها و التي كانت فرصة لي لممارسة رياضة المشي فيها لمدة ساعة من الزمن .
و على بعد ساعة من الزمن توجهنا إلى جنوب المدينة و بالتحديد إلى(Miyajima Island) و السبب الأبرز لزيارة هذا المكان هو عدم تفويت فرصة مشاهد بوابة توري العائمة (Floatin Torii Gate ) التي عندما يكون المد عاليًا فأنه يمكنك من مشاهدة بوابة عائمة في الماء.
كانت هيروشيما الخاتمة الخفيفة لرحلة لن أنساها أبدًا ما حييت أما عن تكرار هذه التجربة فبلا شك سأقوم بها و لكن في مدن أخرى كما ذكرت سابقًا في أعلى مدونتي هذه. كانت هذه التجربة حقيقية جدًا و مؤثرة جدًا لشعب عظيم أزال رماد الحرب و لم يكتفي بذلك بل صنع من هذا الرماد حضارة ، ولم يدنس التاريخ بل جعله كشاهد لحضارة مرضت ولكنها لم تموت يومًا.
تعليقات